د حافظ أحمد عجاج الكرمي

87

الإدارة في عصر الرسول ( ص )

للدولة الجديدة ؛ ولذا منعت الصحيفة أهلها - ولا سيما المشركين واليهود - أن يجيروا أحدا من أهل مكة ، وبذلك استطاع النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يضبط أمور غير المسلمين في المدينة « لا يجير مشرك مالا لقريش ونفسا ، ولا يحول دونه على مؤمن » « 1 » وينتظر أن يكون المشركون قد أثاروا موضوع إجارة المؤمنين - كما في مادة سابقة - ولكن الوضع هنا يختلف تماما ، فمكة في حالة حرب وعداء مع المسلمين ، والسماح لهؤلاء بإجارتهم يعني إحداث شرخ كبير في أمن المدينة ودفاعاتها . وحددت الصحيفة بعض ملامح النظام القضائي الجديد في المدينة ، وجاءت المواد الخاصة بالقضاء كإطار قضائي للمواد الأخرى ، ومن خلالها حددت العقوبات على الجنايات المختلفة فنصت الصحيفة « وأنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلّا أن يرضى ولي المقتول ، وأن المؤمنين عليه كافة لا يحل لهم إلا قيام عليه » « 2 » فالقاتل يقتل إلّا أن يعفو وليه ، وعلى الأمة جميعا أن تمكن السلطة والقضاء من أخذ الحق من القاتل ، وهذا التأكيد كان ضروريّا في مجتمع قبلي يقف مع ابن القبيلة ظالما كان أو مظلوما ، ويلاحظ أن الربط الدائم بين الإيمان وبين تطبيق هذه المواد فقال : « وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وامن باللّه واليوم الآخر أن ينصر مشركا أو يؤويه ، وأن من نصره أو أواه فإن عليه لعنة اللّه وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل » « 3 » . ويفهم من مواد الصحيفة أن السلطات الإدارية والقضائية والعسكرية جعلت بيد حاكم المدينة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فهو المرجع الأعلى في كل خلاف سواء كان بين المؤمنين أنفسهم أو بينهم وبين جيرانهم ، فهو عليه السّلام يشرف على جميع الميادين التطبيقية لجميع ما قررته الصحيفة « 4 » « وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مردّه إلى اللّه عزّ وجلّ » « 5 » . أما القسم الاخر من الصحيفة فينظم العلاقات بين المؤمنين وبين اليهود القاطنين في المدينة وأطرافها ، فقد ألزمت هذه الصحيفة اليهود بدفع قسط من نفقات الحرب الدفاعية عن المدينة « 6 » وذلك في مادتين من مواد الصحيفة « وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين » « 7 » والأخرى « وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم

--> ( 1 ) حميد اللّه ، مجموعة الوثائق ، فقرة ( 2 ب ) ، ( ص 60 ) . ( 2 ) م . ن ، فقرة ( 21 ) ، ( ص 60 ، 61 ) . ( 3 ) م . ن ، فقرة ( 5 ، 22 ) ، ( ص 61 ) . ( 4 ) العدوي ، نظم ( ص 126 ) . ( 5 ) حميد اللّه ، مجموعة الوثائق ، فقرة ( 23 ) ، ( ص 61 ) . ( 6 ) العمري ، المجتمع المدني ( ص 123 ) ، وانظر Go to P . P 9 - 10 . ( 7 ) حميد اللّه ، مجموعة الوثائق ، فقرة ( 24 ، 38 ) ، ( ص 61 ، 62 ) .